سيد محمد طنطاوي

158

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال الآلوسي ما ملخصه قوله - تعالى - : * ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ . . ) * أي : أهل الكتاب من اليهود والنصارى . قاله : ابن عباس والحسن والسدي وغيرهم . وقال أبو حيان في البحر : والمراد من لم يسلم من أهل الكتاب ، لأنهم الذين لا يتهمون عند المشركين في إخبارهم بأن الرسل كانوا رجالا ، فإخبارهم بذلك حجة عليهم . والمراد كسر حجتهم وإلزامهم ، وإلا فالحق واضح في نفسه لا يحتاج إلى إخبار هؤلاء . . » « 1 » . قالوا : وفي الآية دليل على وجوب الرجوع إلى أهل العلم فيما لا يعلم ، وعلى أن الرسل جميعا كانوا من الرجال ولم يكن من بينهم امرأة قط . والجار والمجرور في قوله : « بالبينات والزبر » . . . متعلق بقوله « وما أرسلنا . . » وداخل تحت حكم الاستثناء مع « رجالا » . والمراد بالبينات : الحجج والمعجزات الدالة على صدق الرسل . والزبر : جمع زبور بمعنى مزبور أي مكتوب . يقال : زبرت الكتاب . . من باب نصر وضرب - أي : كتبته كتابة عظيمة . أي : وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - إلا رجالا مؤيدين بالمعجزات الواضحات ، وبالكتب العظيمة المشتملة على التشريعات الحكيمة والآداب الحميدة ، والعقائد السليمة ، التي تسعد الناس في دينهم وفي دنياهم . وقوله - سبحانه - : * ( وأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) * . بيان للحكم التي من أجلها أنزل اللَّه - تعالى - القرآن على النبي صلى اللَّه عليه وسلم . أي : وأنزلنا إليك - أيها الرسول الكريم - القرآن ، لتعرف الناس بحقائق وأسرار ما أنزل لهدايتهم في هذا القرآن من تشريعات وآداب وأحكام ومواعظ ولعلهم بهذا التعريف والتبيين يتفكرون فيما أرشدتهم إليه ، ويعملون بهديك ويقتدون بك في أقوالك وأفعالك ، وبذلك يفوزون ويسعدون . فأنت ترى أن الجملة الكريمة قد اشتملت على حكمتين من الحكم التي أنزل اللَّه - تعالى - من أجلها القرآن على النبي صلى اللَّه عليه وسلم . أما الحكمة الأولى : فهي تفسير ما اشتمل عليه هذا القرآن من آيات خفى معناها على

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 147 .